مجمع البحوث الاسلامية
701
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أعمال المرتدّ على مسألة أخرى كأصل لهم ، اختلفوا فيها وهي - كما قال - البحث عن وقت الاستحقاق وموطنه ، فقيل : إنّه وقت العمل ، وقيل : حين الموت ، وقيل : الآخرة ، وقيل : وقت العمل والموافاة ، بمعنى أنّه لو لم يدم على ما هو عليه حال العمل إلى حين الموت وموافاته لم يستحقّ ذلك ، إلّا أن يعلم اللّه ما يؤول إليه حاله ويستقرّ عليه ، فيكتب ما يستحقّه حال العمل . ثمّ قال : « وقد استدلّ أصحاب كلّ قول بما يناسبه من الآيات ، فإنّ فيها ما يناسب كلّا من هذه الأوقات بحسب الانطباق ، وربّما استدلّ بوجود عقليّة ملفّقة » . ثمّ عالج المسألة بما اختاره في حبط الأعمال وجزائها ، من سقوط أثرها في النّفس وتحوّل النّفس بها ، كذلك تحوّل الإنسان بالطّاعة والمعصية ، وترتّب الثّواب والعقاب عليهما ، كلّ ذلك ما دام الحياة وانعدامها بالموت ، فلازمها تعلّق ذلك كلّه حتّى الموت ولا يتنجّز شيء منها حال الحياة ، وله في هذا البحث كلام طويل ، فلاحظ ، وقد فرّع عليه أمورا : 1 - أنّ في جميع تلك الأقوال في هذه المسألة انحرافا من الحقّ لبنائهم البحث على غير ما ينبغي أن يبنى عليه - وهو ما اختاره من أنّ معنى الحبط : سقوط أثر العمل في سعادة الإنسان ، دون أصل العمل أو ثوابه . 2 - أنّ كلّا من الثّواب والعقاب يلحق الإنسان من حيث الاستحقاق بمجرّد العمل ، لكنّه قابل للتّحوّل . 3 - أنّ حبط الأعمال مثل الاستحقاق لجزائها ، يتحقّق عند العمل ويتحتمّ عند الموت . 4 - أنّ الحبط كما يتعلّق بالأعمال الأخرويّة يتعلّق بالأعمال الدّنيويّة . 5 - أنّ التّحابط بين الأعمال باطل ، بخلاف التّكفير ونحوه - أي التّبديل - بحجّة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزّلزال : 7 و 8 . وعندنا أنّه لا مانع من بقاء كلّ آية على ظاهرها ، وأن تكون معاملة اللّه مع العباد حسب مشيئته وحكمته ، وحسب أحوال العباد على أنحاء بحسب تلك الأقوال الأربعة . على أنّ هذه الأبحاث شغلت قسطا كبيرا من مجادلات المتكلّمين من دون جدوى لها في عمل العباد . والقرآن دائما يوجّه ويدعو إلى ما يقرّب النّاس من الطّاعة ويبعّدهم عن المعصية ، وهذه الأبحاث المبهمة الّتي لا تنتهي إلى نتيجة صارمة ربّما تحجب العباد بعد الاطّلاع عليها عن الطّاعة . خامسا : بناء على اختلافهم في أعمال المرتدّ هل تسقط بمجرّد الرّدّة أو تبقى معلّقة حتّى الموت ؟ اختلفت الفقهاء في حجّ المسلم إذا ارتدّ ثمّ أسلم ، فقال مالك : يلزمه الحجّ لقوله : بسقوط أعماله بمجرّد الرّدّة ، فهو بعد الرّجوع عن ردّته إلى الإسلام كأنّه لم يحجّ . وقال الشّافعيّ القائل بالتّعليق لا يلزمه الحجّ ، لأنّ حجّه السّابق لم يسقط رأسا ، واحتجّ بأنّ قوله تعالى في ( 4 ) وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فيها شرطان لسقوط أعماله : الارتداد والموت كافرا ، فاجتمع مطلق ومقيّد - أي الارتداد مطلق قيّده الموت كافرا - فنأخذ بالمقيّد . ولإسناد هذا الحكم إلى الآية مجال للنّظر . سادسا : جاءت في جملة من الآيات حبط الأعمال